
في مرحلة معيّنة من استخدام الذكاء الاصطناعي، يصل كثير من المحترفين إلى إحساس غريب يصعب تسميته بدقة. الأدوات تعمل، النتائج تظهر، والوقت الذي كان يُستنزف سابقًا أصبح أقل. ومع ذلك، لا يوجد شعور حقيقي بالتقدّم. الجهد ما زال كبيرًا، والتكرار مستمر، والقرارات الأساسية لا تزال معلّقة على الشخص نفسه.
هذه اللحظة تحديدًا هي النقطة التي يصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير كافٍ.
المشكلة هنا لا تتعلق بضعف الأداة، ولا بسوء الاستخدام بالمعنى التقليدي، بل بموقع الذكاء الاصطناعي داخل طريقة العمل. في كثير من الحالات، يتم إدخال الذكاء الاصطناعي كطبقة إضافية فوق نظام قائم، دون إعادة النظر في هذا النظام أصلًا.
تعريف مختصر للمشكلة:
يصبح استخدام الذكاء الاصطناعي غير كافٍ عندما يظل دوره محصورًا في التنفيذ، بينما تبقى القرارات، والسياق، وربط النتائج بالأهداف، مسؤولية بشرية كاملة تتكرر يوميًا.
هذا النمط شائع في المحتوى، التسويق، الاستشارات، وحتى في إدارة الفرق. يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع الكتابة، التحليل، أو الإعداد، لكن من دون أن يتغير منطق العمل نفسه. النتيجة أن السرعة تتحسن، لكن الاتجاه لا يتضح.
لماذا لا يظهر القصور مباشرة؟
في البداية، يعطي الذكاء الاصطناعي إحساسًا قويًا بالتحسّن. الإنتاج يزيد، الأفكار تتدفق، والمهام التي كانت تستغرق ساعات تُنجز في دقائق. هذا التحسّن السريع يخفي المشكلة الحقيقية لفترة.
مع الوقت، تبدأ أعراض مختلفة بالظهور:
الحاجة المستمرة لإعادة التوجيه والتعديل.
تكرار نفس الأسئلة بصيغ مختلفة.
تشابه المخرجات رغم اختلاف المهام.
اعتماد شبه كامل على تدخل المستخدم في كل مرحلة.
من منظور تجربة المستخدم، هذا يعني أن العمل لم يصبح أبسط، بل أسرع فقط. ومن زاوية SEO، تظهر المشكلة في غياب التراكم الحقيقي: محتوى كثير، لكن بدون تمايز دلالي واضح أو مسار تحريري مستقر يدعم E-E-A-T.
الفرق بين التسريع والتحسين:
الذكاء الاصطناعي ممتاز في التسريع. لكنه لا يضمن التحسين.
التسريع يعني إنجاز نفس الشيء في وقت أقل.
التحسين يعني تغيير طريقة الإنجاز نفسها.
عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي دون نظام، فإنه يسرّع العمليات الحالية، بكل ما فيها من عيوب. أما عندما يُستخدم داخل نظام واضح، فإنه يساعد على تقليل الأخطاء، وتخفيف التكرار، وتحسين جودة القرار.
هنا يظهر الفرق الجوهري بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي، ومن يصمّم به طريقة العمل.
سيناريو مهني متكرر:
في فرق التسويق، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة المحتوى بسرعة أكبر. بعد فترة، يلاحظ الفريق أن الأداء لم يتحسن، رغم زيادة عدد المنشورات. عند المراجعة، يتضح أن المشكلة ليست في النصوص، بل في غياب نظام يربط المحتوى برحلة المستخدم، وبالأهداف التجارية، وبالبيانات السابقة.
الذكاء الاصطناعي هنا أدى دوره كما طُلب منه، لكنه لم يكن جزءًا من منظومة قرار. كان منفذًا، لا شريكًا في التفكير.
متى نعرف أن الوقت حان لتغيير المقاربة؟
هناك إشارات واضحة تدل على أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد كافيًا:
عندما تشعر أن غيابك ليوم واحد يوقف العمل.
عندما تضطر لإعادة شرح السياق في كل مرة.
عندما تبدو النتائج “جيدة” لكنها لا تؤدي إلى قرار.
عندما يزيد الإنتاج دون أن يزيد الأثر.
هذه الإشارات لا تعني أن الذكاء الاصطناعي فشل، بل تعني أن دوره بحاجة لإعادة تعريف.
من الأداة إلى النظام:
التحول الحقيقي يبدأ عندما يُعاد التفكير في الذكاء الاصطناعي كنظام عمل، لا كأداة مساعدة. النظام هنا لا يعني تعقيدًا تقنيًا، بل وضوحًا في:
ما الذي يجب أن يقرره الإنسان.
ما الذي يمكن تفويضه.
كيف تتراكم المعرفة بدل أن تُعاد صياغتها كل مرة.
أين يُستخدم الذكاء الاصطناعي لدعم القرار، لا فقط لتنفيذ الطلب.
في هذه المرحلة، يبدأ الذكاء الاصطناعي في تقليل الاعتماد عليك، بدل أن يزيده. وهنا فقط، يصبح له أثر طويل المدى.
الفكرة التي يجب تثبيتها:
المشكلة لا تبدأ عندما نسيء استخدام الذكاء الاصطناعي،
بل عندما نستخدمه جيداً..
ثم نكتشف أن الجهد ما زال يتكرر، وأن التقدّم بطيء.
تلك اللحظة تحديدًا هي أول إشارة أن الأداة وحدها لم تعد كافية.
عبدالرحمن السيد
مختص في الذكاء الاصطناعي التطبيقي والتسويق الرقمي
مؤسس مبادرة ذكاء بلا تعقيد – مبادرة عربية تهدف إلى تبسيط الذكاء الاصطناعي وبنائه كنظم عملية تخدم الأفراد والمشاريع دون تعقيد تقني.


.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
